استيقظ مبتهجا كالعادة، لا هم لديه سوى كسب بضع جنيهات.. بضع جنيهات تكفيه ليومين..
مسح الغشاوة عن عينيه وخرج من تلك الحظيرة المهجورة والتي اتخذها مسكنا له..حمل أدواته _فهو يعمل ماسح أحذية_ واتجه في الشارع..حياته اليومية التي لا يمل منها أبدا.. يجلس على الرصيف أو على المقاهي أو يتجول وهو يحدث ضجة بعلب الصفيح ليعرف الناس انه ماسح أحذية..
لقد ألف الجميع منظره البائس والمزري.. لو رايته ماشيا حسبته هيكلا عظميا فر من قبره.. وبرغم هذا فهو شعلة من النشاط والعزيمة والبراءة..
لم تكن لديه أسرة.. لكنه اتخذ الأقدار أسرة له.. اتخذها منذ أن ترك ملجأ الأيتام ..وترك لها حرية التصرف يذهب معها ايا كان قرارها..
ومع كل هذا كانت الابتسامة البريئة لا تفارق محياه..دخل إلى احد المقاهي واتجه صوب رجل يجلس على مائدة في الركن.. هذا الرجل زبون منتظم فهو يأتي كل يوم وفي نفس الزمن.. ويأتي ماسح الأحذية لينظف له حذائه ثم يأخذ عشرة قروش ويذهب لمكان آخر..
أصبح هذا الرجل من الزبائن المعتمدين لديه.. لذا حياه الطفل وخلع عنه نعليه حتى ينظفهما..
كان هنالك شخصان يجلسان على مائدة بجانب مائدة الرجل.. كان احدهما عبارة عن كتل من اللحم المكدسة فوق بعضها.. وله كرش يكفي غابة من الأسود.. أما الآخر فكان نحيلا ويبدو عليه المكر وكان يقول للبدين:_ " لدي أخبار سارة لك يا (عباس) باشا"فيرد البدين قائلا وهو ينفث دخان سيجارته:
_ " أتحفني"
..الولد ما زال يعمل بجد وإتقان وقد أنهى إحدى الفردتين..
_ " لقد أتيت لك بمشروع رائع.. و.."
كانت أفكار الفتى البريئة هي كيف يملا معدته بعد أن فقد وجبتا الغداء والعشاء البارحة.. سيرى هذا بمجرد أن ينتهي..
قاطعه البدين قائلا:_ " لقد سئمت مشاريعك التي لا تدر علي سوى الآلاف يا (حسني)"
_ " هذا المشروع بالذات سيدر عليك ثلاثة مليارات جنيه"
سال لعاب الرجل البدين وبانت نظرة الطمع في عينيه..وفرغ الطفل من الحذاء.. وهو الآن في لمساته الأخيرة التي تجعل الحذاء أكثر لمعانا..
_ " هل تقصد ذلك المشروع الذي تحدثنا فيه الابوع الفائت ؟؟"
_ " نعم"
_ " لكنك قلت أن هنالك عربونا به.. حسنا سأوافق لكن أين العربون"
مد الطفل الحذاء للرجل واخبره بأنه انتهى وبدا الرجل في انتعال حذائه الجديد..اخرج الرجل النحيف شيكا من حقيبة سوداء وناوله للبدين قائلا:
_ " هذا شيك بمليار جنيه.. هذا هو العربون.. سأذهب أنا الآن وانصحك بالذهاب الى اقرب بنك"
نهض النحيف وترك البدين ينظر الى الشيك في شراهة وطمع وهو يحلم برزم المال التي ستكدس خزنته..
وفي نفس الوقت.. أعطى الزبون ماسح الأحذية خمس جنيهات قائلا في عطف:
_ " خذ يا بني ومتع نفسك"
نظر الطفل ذي الست أعوام إلى الجنيهات الخمس وقد التمعت في عينيه نظرة بريئة ملئها الامتنان لزبونه الطيب.. وشكره.. وبعد أن نهض الزبون.. نظر الطفل لغنيمته وتمتم في فرح كبير:
_ " اليوم يوم عيدي.. حمدا لله"
وبعدها بلحظات غادر الرجل البدين وهو يقول في سره:
_ " مليار جنيه.. هذا يوم عيدي"لكنه لم يحمد الله..



4 التعليقات:
انت ماكر إذن عزيزي ..
لم أعرف انك بتلك الجودة في كتابة القصص ..
بالرغم من انها بسيطة .. - بها اخطاء- (( شوشو))
الا انها رائعة .. فتلك المقارنة كانت فذة ..
استخدمت تلك المقارنة قبلاً في احدى قصصي و لكني لم ابرع فيها كما فعلت ها هنا ..
رائع ايها العزيز ..
بإنتظار القادم
:D
عزيزتي..
لولا انني لم اتعود البكاء لبكيت فرحا لردك..
الحق ان اطراءك ملأ قلبي بالامل للعودة للكتابة من جديد..
حقا كلمة شكرا لن تقابل ما جعلتيني احس به..
شكرا..
هل يمكنني اضافة تلك المدونة الى قائمة المدونات عندي ؟؟
احمدي الله انك لم تكوني امامي كنت اكلتك!
هل هذا سؤال.. ربما علي انا ان اسألك هل يمكن ان تضيفيني لمدونتك؟
شكرا لك..
إرسال تعليق