في احد ليالي الشتاء الباردة.. اجلس أنا بجانب المدفئة.. بينما كان عويل الريح الباردة يصدر في
الخارج وكأنها ترثي الموتى..
كنت اجلس وأنا أقرا موضوعا إنشائيا عن الصداقة.. كان الكاتب يقول ان الصداقة شئ
مقدس.. إحساس يمكن للإنسان أن يضحي بنفسه من اجله.. لم يعجبني الموضوع فرميته في
المدفئة ورايته يحترق أمام عيني وأنا لا أحرك ساكنا..
يا للتفاهة .. أموت من اجل الصداقة ؟ .. ما الذي يكتبه هؤلاء الرومانسيون
الحمقى..كان البعض يصفني بتحجر القلب والإحساس.. فلقد كنت صارما وحازما.. لم أكن
أبالي بالمشاعر التي تجعل صاحبها كالريشة في مهب الريح..
وكأن الأقدار شاءت ان تلعب معي.. وكانت البداية حينما كنت اجلس بأحد المطاعم.. كان
المطعم مزدحما لسوء الحظ.. لذا فقد يكون هنالك أكثر من شخص يجلسون في طاولة واحدة لكن
أحدا منهم لا يعرف الآخر.. ولقد كان هنالك مقعد شاغر بجانبي.. ثم ما كان مني إلا ان
رأيت شابا في مثل عمري تقريبا.. رايته يتجه نحوي ويقول في أدب جم:
_ " هل يمكن ان اجلس بجانبك؟ "
نظرت له في برود وقلت له في تعجرف:
_ " اجلس ان كان الجلوس بجانبي يروقك"
وحرصت برغم برودي ان أرى الانفعال المرتسم على وجهه.. ولقد ذهلت.. نعم ذهلت!..لان
الشاب بادرني بابتسامته قائلا في لطف:
_ " شرف لي يا أخي ان اجلس بجوارك"
بدأت في التوتر والقلق.. فلم أتوقع هذا التسامح أو على الأقل ان أرى هذه الابتسامة..
رباه.. لكم أحسست ان شيئا باردا مس أعماق قلبي.. شيئا غيَّر وجداني.. .. لم أكن اعرف
حتى هذه اللحظة ان لي قلبا ينبض.. ما هذا التغير المفاجئ.. هل هذا الشاب ساحر؟!..
بدأت آكل الطعام في صمت وأنا اختلس النظر إليه فلا أجد إلا وجهه المبتسم.. يأكل في
هدوء.. وبعد ان فرغ من الأكل.. وفرغت أنا أيضا.. طلب هو الشاي..أما أنا فقد أردت
الذهاب..لكني أحسست وكأن الأقدار تربت على كتفي.. وتقول لي تأنى.. تأنى فإننا لم
ننته بعد..
طلبت قدحا من الشاي وأنا اجلس قبالته.. فبادرني بقوله المؤدب:
_ " إنني آسف إذا كنت قد أزعجتك"
كان قلبي الوليد يصطرع مع إحساسي البارد.. كان قلبي يقول لي.. اكسب هذا الشاب لا
تغفل منه.. وكان إحساسي البارد يقول لي كن جافا لا تسمح للعواطف ان تغزو قلبك.. وقد
انتصر إحساسي وعلا صوته حتى بدا صوت قلبي وكأنه صوت مريض يحتضر، فقلت في برود:
_ " ما دمت تأكل بصمت وتشرب بصمت فأنت لا تزعجني"
يا ليته قذف بقدحه في وجهي يا ليته اسمعني كلاما جارحا.. لكنه خيب أمالي الخبيثة..
وبدل من هذا قال في ارتياح:
_ " الحمد لله"..
ومرة أخرى نظرت له وعرفت كم كان إحساسي خاطئا.. أين أنت يا قلبي أين أنت؟؟.. لا
تتخل عني الآن أنا احتاج للشجاعة حتى اقهر إحساسي.. لكن قلبي لم يستجب لأنني أردت
هذا .. ولأنني واليت إحساسي اللعين.. وفجأة نهض الشاب وقال لي في أدب:
_ " الى اللقاء.. علي ان اذهب"..
وانصرف.. لم استطع الرد.. أحسست بالبلبلة.. آه لو أنني لم أتصرف برعونة.. آه لو أني
كنت رقيقا معه.. كنت ابكي بقلبي.. وكادت الدموع تنساب من عيني كالأطفال.. لم أنا
هكذا الآن؟.. ما الذي فعله هذا الشاب بي.. ألأنة تصرف بأدب..ألأنة محترم.. هنالك من
نوعه الكثير.. لكن الفتى كان به شيئا مميزا.. شيئا روحيا يجعلك تحس
بالارتياح..ليتني أدركته.. هل سأجده مرة أخرى أم أنني سأنسى؟..
لكن الأقدار كانت تستمتع بلعبها.. لان نفس الشاب وجدته وهو يدخل علي في شركة
الطيران التي اعمل بها..كنت منكفئا على الحاسوب عندما سمعت الصوت العذب يقول لي في
تهذيب:
_ " أريد تذكرة لو سمحت"
يا الهي.. هذا نفس الصوت .. رفعت راسي ببطء.. وعندما التقت عينانا وعرفت انه تذكرني
قلت له في رقة لم أعهدها في صوتي:
_ " أهلا بك أيها الصديق"
الصديق.. يالها من كلمة.. لقد كنت اسخر منها منذ شهر.. كنت امقتها.. ما الذي حدث
الآن.. أحسست بدفء قلبي يعود إلي بعد ان تركته سنينا في غياهب البرود القاسي..
_ " شكرا لك ان قبلتني صديقا"
قالها ووجهه المشرق يعبر عن ما بداخله من وفاء وحب..
ونظرت له.. بل وأمعنت النظر..
_ " آسف.. هل هنالك خطأ ؟ "
ما زلت انظر له حتى شعر بالحرج لذا أتى بحركة مرحة بان مرر يده بالقرب من وجهي
قائلا وهو يضحك:
_ " هل أنا بشع لهذه الدرجة؟!"
بشع ؟!.. بل هو أجمل إنسان رايته في حياتي.. قلت هذا لقلبي الذي أصبح يقطر دما بعد
ان حرم منه طويلا..
وتنبهت من سكرتي وقلت له في ارتباك:
_ " آسف.. هل يمكن ان تقبل دعوتي على الغداء.. لنخرج الآن فلقد انتهى الدوام"
ولشد ما كانت فرحتي عندما قبل.. فرحة طفل رأى لعبة جميلة خلبت لبه.. أو فرحة قبيلة
عربية ولد لها مهر جميل..
ذهبنا الى نفس المطعم وكانت الأقدار بانتظارنا هناك.. لقد هيأت مسرح اللقاء بيني
وبينه.. فلقد كان المكان هادئا جميلا .. ولقد تذكرت قولا يقول( الهدوء الذي
يسبق العاصفة).. ونسيتها بسرعة العاصفة نفسها..
بادرني قائلا بعد صمت قصير:
_ " بالمناسبة أنت إنسان رقيق.. لقد لمحت هذا في براءة عينيك الصافيتين.. في اللقاء
الأول"
في لحظة كنت أكن له فيها كل الكره لمح براءة عيني.. يا ربي هل هذا إنسان أم ملاك؟..
هل هذا الكائن يعرف الكره.. قلت له في سرعة كأني أخشى ان يذهب مني:
_ " هل تقبلني صديقا؟ "
_ " بكل ود واحترام"
وتعارفنا.. كان كلامه عذبا حلو المعاني..صارحته باني عندما رايته أحببته كما لم أحب
أحدا من قبل.. صارحته بان ملائكيته حررتني من قيود الكره والأنانية..وقد قلت أيضا
إنني لن اتركه أبدا.. فرد علي في لطف..وجهه المنير كأنه البدر في ليل تمامه:
_ " وأنا أيضا.. لن أتركك أبدا ولن يفرق بيننا إلا الموت"
يا الهي.. الموت.. ولم هذه الكلمة الآن.. لو مات صديقي هذا لمت وراءه.. تحادثنا
وتبادلنا الفكاهات واتفقنا في النهاية على ان نحضر الى هنا كل يوم.. لعمري كانت هذه
أجمل لحظات حياتي..
سمعنا الجلبة بالخارج.. وأتضح ان هنالك مظاهرات قامت بسبب بعض الجماعات المتطرفة..
وذهبنا نستطلع الأمر وهذا لحسن الحظ لان المكان عج بهم لحظة خروجنا.. ومن ثم احتدم
الموقف وتدخل رجال الشرطة.. القنابل المسيلة للدموع تنفجر في كل مكان.. عيني تؤلمني
والدمع يسيل انهارا.. أين أنت يا صديقي؟..ناديت عليه.. لكن لا احد أجاب.. وفجأة
تلقيت ضربة على راسي.. ضربة جعلت الدنيا تدور في راسي.. ولمحته.. لمحت المسدس وهو
يوجه الى صدري.. تبا.. لقد تأزم الموقف ويبدو ان رجال الشرطة فقدوا زمام السيطرة..
وأصبح هؤلاء المجانين يقتلون الناس بلا هدف..الدخان الحارق .. ودمعي الملتهب.. و
الصراخ في كل مكان.. وزناد المسدس الموجه إلي وقد فتح صمام أمانه.. ها هو الزناد
يتحرك.. لحظات وتخرج الرصاصة فتعانق قلبي الذي لم أتعود عليه بعد.. لكني رأيت صديقي
وهو يجري نحوي ويقول في لوعة:
_ " لااااااااااااااااااااااااااااا"
ثم الرصاصة القاتلة.. ولا شئ..
صحوت فجأة لأجد نفسي في الفراش الأبيض واستنتجت أنني في المستشفى.. ونظرت بجانبي..
ووجدته.. وجدت صديقي العزيز وهنالك جرح غائر في صدره.. لم أكد أتأكد منه حتى دخل
الطبيب وقد هش عندما راني وقال:
_ " الحمد لله انك بخير"
راني انظر الى الجسد الملقى على الفراش الآخر فقال لي في بساطة الأطباء القاسية:
_ " صديقك؟ .. لم نستطع إنقاذه مع الأسف.. اخترقته الرصاصة"
لا.. لا يمكن ان يكون قد مات.. صديقي رد علي.. اجبني.. هل روحك فارقت جسدك حقا.. هل
توقف جريان دمك النقي.. هل توقف بريق عينيك الصافي.. لم يجب.. وإنما نظرت الى
ابتسامته التي لم تفارق محياه.. وتذكرت المقال.. لقد ضحى بنفسه من اجلي أنا.. يا لي
من غبي..
أرجوك اجبني.. اجبني يا من أدخلت السرور على نفسي.. اجبني يا من أحييت نبض
قلبي..لكن الصمت فرض نفسه .. وتخيلت وكأن الأقدار تنظر لي في سخرية.. وتقول لي.. هل
فهمت أيها المتعجرف.. هل فهمت معنى الصداقة.. هل فهمت ان تحجر القلب لا يفيد..
ولم أجد بدا من انهض عن فراشي واتجه إليه..
وأخذت رأسه واحتضنته بين كفي وقربته الى صدري.. ثم صرخت بأعلى صوتي.. صرخت باسمه..
وكان عدم جوابه ابلغ رد علي..
وعندها بكيت كما لم ابك من قبل..
نظرت الى الأقدار وهمست لها قائلا:
_ " لقد فهمت"
وعندها علمت أني خسرت صديقا..




